محمود سالم محمد
189
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
لقد حرص المؤرخون على ذكر الاحتفال بالمولد النبوي في كل سنة من سنوات حكم المماليك الذين اهتموا به اهتماما كبيرا ، وحرصوا على المشاركة به ، وإظهار تقواهم وتعظيمهم لصاحب المناسبة ، وكرمهم مع رجال الدين والعامة ، فكان السلطان يقيم خيمة المولد ، و « تقام أحواض العصير ، يبدأ الاحتفال عند الظهر وينتهي عند ثلث الليل ، فيتعاقب القارئون والمنشدون والوعاظ ، وتمد الأسمطة بأنواع الحلوى والمأكولات ، وعند ثلث الليل يبدأ السماع الذي يستمر حتى الفجر ، فتأتي طوائف الصوفية ، طائفة بعد طائفة ، ويستمرون في الذكر ، والسلطان جالس في صدر الخيمة ، كذلك يترقب عامة الناس المولد ، ليقيموا الولائم ، ويتصدقوا على الفقراء ، ويظهروا السرور » « 1 » . وهكذا انتشرت الاحتفالات بالموالد النبوية بين المسلمين ، فكانوا يستمعون فيها إلى قراءة القرآن الكريم والمواعظ وأناشيد المتصوفة والمدائح النبوية ، ويقيمون الولائم ، ويوسعون على أنفسهم وعلى فقرائهم في الطعام والحلوى والأشربة ، ويتصدقون ، ويظهرون السرور ، وكان يشارك في هذا الاحتفال جميع الناس من السلطان إلى من لا شأن له في المجتمع ، فهي مناسبة للتضامن الاجتماعي ، ومناسبة لتقرب الحاكمين من المحكومين ، ومناسبة مفرحة للفقراء الذين لا يجدون ما يمسك رمقهم . لكن هذا الانتشار السريع للاحتفال بالمولد النبوي لم يمرّ بسلام ، فقد وقف بعض علماء الدين ضد الاحتفال به ، وعدوه بدعة غير مستحبة ، لأن الاحتفال به اختلط ببعض التصرفات التي لا تتفق مع روح الدين ، مثل الإفراط بالزينة ، وإقامة الملاهي ، واستغلال المناسبة لأغراض سياسية أو للتظاهر والتباهي ، ويظهر أن الظواهر السلبية كانت ترافق الاحتفالات بالموالد النبوية منذ وقت مبكر ، إذ كان أولي الأمر يعتسفون في تحصيل المال ، ويظلمون الناس من أجل البذخ في الاحتفالات الدينية ، وكان بعض العلماء على حذر من كل بدعة .
--> ( 1 ) عاشور : العصر المماليكي في مصر والشام ص 321 والمقريزي : السلوك ص 1162 وابن إياس : بدائع الزهور 2 / 494 .